محمد أبو زهرة
68
المعجزة الكبرى القرآن
المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزا وذلك خلاف الإجماع ، وإذا كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز ، وأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه ، فلما لم يكن كذلك مألوفا معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا » . 40 - ومن هذا نرى أن القرطبي قد أتى بوجوه كثيرة عدها من إعجاز القرآن ، وقد ذكر عشرة ، وإنه لكي يكون استقراؤه كاملا لا نقص فيه أتى بالصرفة ، وعدها وجها من الوجوه عند بعضهم ، وقد رددناها كما ردها هو ، وانتهى إلى أن إعجاز القرآن ذاتي وليس من أمر خارج . وأقمنا كما أقام الدليل على ذلك ، مما لا يجعل موضعا لهذا القول ، وبينا مصدرها الهندي ، وأنها فكرة دخيلة على المسلمين ، والحقائق تخالفها ، والوقائع تجافيها . ولكن يجب أن يلاحظ فيما أحصاه القرطبي ، والقاضي عياض أمران : 1 - أولهما - أن الأقسام التي ذكراها يتداخل بعضها في بعض ، أو أنهما جعلا ما يتعلق بالنظم جزءا منه خاصا بفصاحة القول وجزءا يتعلق بالنظم وجزءا يتعلق بالأسلوب ، وجزءا يتعلق بالجزالة ، وجزءا يتعلق بالتصرف في القول ، وكل ذلك يتعلق بالمنهج البياني القرآني ، وهذه الكلمة تجمع تلك الأقسام كلها ، فلا تخرج من عمومها خارجة . والأمر الثاني : أن بعض هذه الوجوه تحدى بها القرآن الكريم ، فقد تحداهم اللّه تعالى أن يأتوا بمثله ولو عشر سور مفتريات ، والوجوه الأخرى لم يتحد بها القرآن الكريم ، وإن كانت من عند اللّه تعالى العليم الحكيم مثل إخباره عن أمور مغيبة في المستقبل ، ثم وقوعها كما أخبر اللّه سبحانه وتعالى في كتابه . وإخباره عن الأمم السابقة ، وإخباره عن شأن عبد اللّه الصالح مع موسى نبي اللّه تعالى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم ، ومثل قصة أهل الكهف ، وذي القرنين . فذكر هذا في القرآن الذي نزل على أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يجلس إلى معلم دليل على أنه من عند اللّه سبحانه وتعالى . ومن هذه الأحكام الشرعية التي اشتمل عليها القرآن ، فإنها لا يمكن أن تكون من عند محمد صلى اللّه عليه وسلم بل هي من عند اللّه . وقد كتبنا في هذه عدة بحوث في إحدى المجلات « 1 » الإسلامية ، بعنوان ( شريعة القرآن دليل على أنه من عند اللّه ) جمعتها إحدى الهيئات الإسلامية في رسالة ،
--> ( 1 ) مجلة « المسلمون » ومجلس الشؤون الإسلامية هو الذي جمع البحوث وترجمها إلى الإنجليزية والفرنسية .